السيد محمد الصدر
142
ما وراء الفقه
التخفي عن القانون والتهرب من صولته ، مهما كان نوعه ، فإذا ارتدع الفرد من ذات نفسه مع إمكانه الأجرام أو أجرم مع إمكان الارتداع كما هو متوفر أعني الإمكان والاختيار في كل أحد ، كان هذا كافيا في دفع الإشكال بلا إشكال . ومن الصحيح أن القانون الديني يختلف عن القانون الوضعي ، بأن الأعمال البشرية تحت المراقبة باستمرار في كل زمان ومكان ، كما قال اللَّه عز وجل * ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) * . وقال سبحانه * ( لا يَخْفى عَلَيْه ِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) * ، بخلاف تطبيقات القانون الوضعي . فإنها لا يمكن أن تكون تحت المراقبة إلى هذه الدرجة . ويكون التهرب منها أيسر بكثير . إلَّا أن هذا لا يعني تسجيل الإشكال الذي نتكلم عنه ، وهو لزوم الإكراه والإجبار من العقوبات الدينية ، فإن التخفي في العصيان الديني له معنيان : أحدهما : التخفي من القاضي الشرعي أو الحاكم العام ، وفي هذا لا يختلف القانون الشرعي عن الوضعي بأي حال ، وقد رأينا أن هذا المستوي لا يعني الإجبار . وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يقع فيه الكلام دون غيره كما سنوضح . ثانيهما : التخفي من اللَّه سبحانه ، وهو أمر مستحيل في نظر المسلم . إلَّا أن هذا لا يعني إنزال العقوبات الدنيوية الشرعية . وإنما يختص الأمر باستحقاق العقاب الأخروي ، ومن هنا قلنا قبل قليل : إن الذي ينبغي طرح السؤال ضمنه هو الأمر الأول دون الثاني . وإذا كان اللَّه عز وجل عالما بكل خفية ، كما هو كذلك ، فهذا يعني الالتزام بالورع أمامه والحياء من وقوع الذنب بين يديه وتحت علمه . وهذا لا يعني وصول الخبر إلى السلطة الشرعية لإقامة الحد أو العقوبة لأن اللَّه تعالى ساتر على عبده من حيث هو قادر على فضحه . إذن ، لا تكون العقوبات الشرعية ، بكل أنواعها موجبة للإلجاء والإكراه بكل معانيه .